الجاحظ
38
رسائل الجاحظ
وقتلوه . ولم يجد من يدافع عنه لأن أنصاره خذلوه ولم يبادروا للذب عنه . وقد شجب الجاحظ قتل عثمان لأن دم الفاسق حرام كدم المؤمن ولا يحل قتل الا من « ارتد بعد اسلام أو زنى بعد احصان ، أو قتل مؤمنا على عمد ، أو عدا على الناس بسيفه » . وعثمان لم يقدم على أي فعل من هذا القبيل ، وإذا كان قد فسق لارتكابه بعض الخطايا أو الأخطاء فالفسق لا يحل القتل . هذه الأحكام الشرعية عرفها الثوار وذكرهم بها عثمان واحتج بها عليهم ، ورغم ذلك هجموا عليه وعلى « أزواجه وحرمه وهو جالس في محرابه ومصحفه يلوح في حجره ، لا يرى أن واحدا يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله » ، وكان بوسعهم محاكمته والاقتصاص منه ومصادرة أمواله . هذا هو رأي الجاحظ في مصرع عثمان : إذا كان عثمان قد اقترف بعض الخطايا فإن ذلك لا يجعله كافرا يستحق القتل . ثم إن مصرعه أحدث فتنا دامية بين المسلمين وعبر عن ذلك بقوله : « لا جرم لقد احتلبوا به دما لا تطير رغوته ولا تسكن فورته ولا يموت ثائره ولا يكل طالبه وكيف يضيع اللّه دم وليه والمنتقم له ؟ » . هذه الفتن ورثها الخليفة الذي ولي بعد عثمان ، أي الإمام علي بن أبي طالب . ففي عهده « ما زالت الفتن متصلة والحروب مترادفة كحرب الجمل وكوقائع صفين وكيوم النهروان وقبل ذلك يوم الزابوقة » حتى قتل الخليفة على يد الشقي عبد الرحمن بن ملجم الخارجي . بعد مصرع علي اعتزل الحسن بن علي الحرب وتخلى لمعاوية عن الخلافة لتفرق أصحابه عنه ، فاستبد معاوية بالملك ، وخالف الشورى وحول الخلافة ملكا كسرويا وارتكب من المعاصي ما خرج به إلى الكفر . فقد قتل حجر بن عدي وأطعم عمرو بن العاص خراج مصر ، وبايع يزيد الخليع ، واستأثر بالفيء واختار الولاة على الهوى ، وعطل الحدود بالشفاعة والقرابة .